الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

88

شرح ديوان ابن الفارض

أصبحت فيك كما أمسيت مكتئبا ولم أقل جزعا يا أزمة انفرجي [ الاعراب والمعنى ] « أصبحت » هنا على بابها من إرادة اتصاف الاسم بالخبر وقت الصباح . و « فيك » أي في محبتك ولأجل محبتك و « التاء » اسمها . و « مكتئبا » خبرها وخبر « أمسيت محذوف دل عليه خبر « أصبحت » أي أمسيت مكتئبا كما أصبحت ومكتئبا على صيغة اسم الفاعل هو الحزين . قال « ولم أقل جزعا يا أزمة انفرجي » الأزمة على وزن فرحة الشدّة وهو منادى نكرة مقصودة . و « الواو » واو الحال . و « جزعا » مفعول لأجله أي ولم أقل لأجل جزعي من شدّة الحزن يا أزمة انفرجي واذهبي ليأتي غيرك من الفرج والفرح وهذا ينظر إلى قول صاحب المنفرجة اشتدي أزمة تنفرجي . كأنه طلب الفرج من شدّته وأما أنا فلا أطلب الفرج من شدّتي لا سيما وهي شدّة الهوى وضيق الجوى . وذلك عند القوم محبوب وفي شرعهم مطلوب . يحكى أن الشيخ رحمه اللّه لما قال هذا البيت ابتلي بعده بحصر البول فما أطاق الصبر على شدته فكان يصيح توجعا ويمرّ على الأطفال ويقول يا أطفال اصفعوا عمكم عمر الكذاب يشير إلى قوله « ولم أقل جزعا يا أزمة انفرجي » فإنه ادّعى الثبات على شدائد الأحزان فلما ابتلي ببعضها أنّ وحنّ بليله الذي جنّ وفي البيت الطباق بين الصباح والمساء وهنا دقيقة ينبغي التنبيه عليها وهي أنه رحمه اللّه قال « أصبحت فيك كما أمسيت مكتئبا » فشبه حاله في الصباح بحاله في المساء ولو قال أمسيت فيك كما أصبحت لجاز وزنا ومعنى وسبب ذلك أن الأصل في الحزن أن يكون في المساء وأما كونه في الصباح فنادر بالنسبة إلى وجوده في المساء ومثل ذلك يقتضي أن تكون حالته أصلا يشبه به ويدل على ما ذكرنا من كون الحزن في المساء أصلا ينبغي أن يكون مشبها به قول قيس بن الملوح الملقب بالمجنون صاحب ليلى : أقضي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني والهم بالليل جامع نهاري نهار الناس حتى إذا بدا * لي الليل هزتني إليك المضاجع وأشار إلى ذلك بعض المغاربة حيث قال : لي كلما ابتسم النهار تعلة * بمحدث ما شان قلبي شانه حتى إذا جاء الظلام وجنحه * فهناك يدري الهمّ أين مكانه ( ن ) : قوله أصبحت ، أي دخلت في صباح نور الأحدية فانمحت ظلمة كوني ظاهرا وباطنا . وقوله كما أمسيت ، أي كالحالة التي دخلت بها في ظلمة كوني وإنما جعل مساءه مشبها به وصباحه مشبها لأن مساءه أصل عنده لثبوت عينه فيه وثبوت